الخميس، 25 يونيو 2015

حقوق الجار


حقوق الجار
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن عدوهم
في مطلع شهر محرم الحرام لهذا العام (1433هج)
طرق باب داري ، جاري (س) الواقع بيته في الجهة الغربية من بيتي ومعه زوج ابنته (ص)وهو أيضا من جيراني أرادوا مني مرافقتهم لمصالحة جاري (ش) الواقع في الجهة الشرقية من بيتي وذلك من اجل فك نزاع حدث بسبب إشكال وقع بينهم وكان السبب الرئيسي في هذا الإشكال إن بعض أبناء جاري(س) مولعين بتربية الطيور مما يجعلهم في أوقات متعددة على سطح بيتهم وفي بعض الأحيان لسبب أو آخر يطلعون على بيوت الجيران وهذا مااشتكت منه زوجة جاري (ش) فأتت إلى زوجة(س) لتبلغها شكواها ولكن تمت المعالجة بصورة شكلية وفي هذه السنة تكررت الحادثة , وعندما جاءت زوجة (ش) لتشتكي هذه المرة ولكن بصورة اشد قام احد أبناء جاري (س)بدفع زوجة (ش) وطردها من البيت أثناء ماكانت تتكلم مع أمه ،(هذا مجمل الإشكال).
وقد وافقت على طلب جيراني لما فيه من مصالح كثيرة سيما واني غير راضي بيني وبين ربي على هذه العادة (الطيور)عند أبناء جاري(س)وغيرهم لما فيها من مضار وانتهاك للحرمات واعتداء على الحقوق ولكني كنت انتظر الفرصة لأبين رفضي وعلته ، وفعلا عندما حان الموعد توجهت إلى بيت جاري (س) واستقبلني بحفاوة وكان في البيت عدد من المدعوين من أرحامه ووجهاء المنطقة , كما هو متعارف في مثل هذه الأمور فوجدت إن جاري (س) غير مقتنع بهذه الشكوى بالرغم من انه ابن عشائر(ريفي) ومن المتدينين(ظاهرا) ويستقبل زوار أبي عبد الله لخدمتهم ...
وكذلك زوج ابنته (ص) والذي قال (مامعناه) انه لايحق لأحد أن يمنع الآخرين من حرية التصرف في بيوتهم بالرغم من انه أيضا من المتدينين(ظاهرا) بل انه يعمل في احد بيوت الله وهذا مافاجئني فقلت لجاري (ص) إن الجار من حقه أن يطلب من جاره الامتناع عن بعض التصرفات ، وذلك بحق الشرع وبحق الجيرة وبحق العرف فقال جاري (س) ولكن بقية الجيران لم يشتكوا ؟ فقلت له :
وان لم يشتكوا لكنهم قطعا غير راضين بل قد يكونوا يدعون الله ويشتكون إليه من هذه الحالة , فقال :
ولكن جيراننا عندهم طيور أيضا فلماذا أبنائي مو أبناء الجيران الآخرين ، فقلت له هل يجوز لي أن ارتكب محرم (اسرق أو اشرب خمر) وعندما يعاتبني أو يحاسبني احد أقول له إن جاري أو صديقي يفعل هذا الفعل ، فقيل من احد الجالسين ، بأنه(س) لايقوى على منع أبنائه ، والغريب في هذا الحادث إن جاري (ش)(المعتدى عليه) ظاهرا غير مهتم سوى بعمله وأسرته وبيته وهو من أصول المدينة ، وعندما التقى به الوسيط (احد أبناء المنطقة تكفل بالمفاوضات الاوليه بين الجارين) قال له جاري(ش) :
انا لااريد سوى حق الجار(وهذه الكلمة أعجبتني )، والحمد لله ذهبنا إلى جارنا(ش) وكان أيضا مستعد لهذه المصالحة وقد جلب عدد من أرحامه ومن الوجهاء والجيران وتم الصلح بفضل الله تعالى .
وهنا من المفيد بيان بعض الملاحظات عسى أن تكون نافعة بإذن الله تعالى :ـ
1 ـ لم يكن التأكيد في القرآن الكريم على حق الجار ذي القربى والجار الجنب ولا من المصطفى الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)الذي قال :
(من آذى جاره حرم الله عليه ريح الجنة (ومأواه جهنم وبأس المصير )، ومن ضيع حق جاره فليس منا ، ومازال جبرئيل (عليه السلام) يوصيني بالجار حتى ضننت انه سيورثه...)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم):
(من نظر إلى عورة أخيه المسلم ، أو عورة غير أهله متعمدا ادخله الله مع المنافقين الذين كانوا يبحثون عن عورات الناس ،ولم يخرج من الدنيا حتى يفضحه الله إلا أن يتوب)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :
(أحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا )
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم):
( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) :
(لاايمان لمن لم يأمن جاره بوائقه)
وقال إمامنا جعفر الصادق (عليه السلام) :
(حسن الجوار زيادة في الأعمار وعمارة في الديار)
وقال (عليه السلام) ايضا :
( ليس منا من لم يحسن مجاورة من جاوره )
واحاديث ووصايا العترة الطاهرة في هذا الموضوع كثيرة جدا ...
وما ذلك إلا لأهمية هذا الحق وما يترتب عليه من منافع في الدنيا والآخرة وان إهماله والتجاوز عليه يؤدي إلى مضار لاتحمد عقباها ، لذا فمن غير الحكمة التهاون بهذا الحق والاسائة إليه وعلى اقل تقدير إذا لم نتمكن من إبداء المنفعة لجيراننا يجب عليننا أن نمنع عنهم أذيتنا ، كما إن حرية تصرفنا في بيوتنا ليست مطلقة بشكل منفلت ؟
بل إنها مقيدة بقيود شرعية وأخلاقية معينه بما يلاءم الذوق الرفيع والعقل السليم ، ومن أهم هذه القيود أن لانتجاوز على حقوق الاخرين ليس في بيوتهم فقط بل حتى في الطريق والهواء والماء ...
فهل يجوز لي أن ارفع صوت التلفاز أو جهاز المسجل بصوت عالي جدا ينتهك حرمة الجيران ؟
أو هل يجوز أن اقطع الطريق أو ارمي الأوساخ أمام بيوت الجيران أو أن افتح معمل زفت أو قير في منطقة سكنية...
وهكذا , حتى وان كان القانون الوضعي يجيز لي ذلك أو عندي إمكانية الترتيب مع أجهزة ودوائر الدولة التي لها علاقة بمصلحتي , وكم من هذه الأمور تحدث يوميا وفي مختلف المناطق وخصوصا الشعبية منها والأدهى والأمر إن البعض من هذه التصرفات تبدر ممن يتظاهر ليلا ونهارا بالتدين ؟؟
وإنا لله وإنا إليه راجعون ولاحول ولاقوة الابالله العلي العظيم ، وهنالك بعض الناس ممن لديه في المنطقة أقارب كثيرين أو انه يعمل مسئول في أجهزة الدولة ...
فهذا يرى إن له الحق في عمل أي شيء يراه أو تراه زوجته أو يراه احد أبناء أسرته وليس على الجيران سوى القبول بذلك أو الرحيل من المنطقة ؟؟ وفي نفس الوقت يعتبر هذا الجار نفسه من المتدينين كونه يطبخ في المناسبات الدينية وصاحب مجلس ومن الوجهاء ومن الأحزاب الدينية...
وليس ذلك فحسب بل إن رجال الدين الذين يحومون حوله يزينون له أعماله ويمدحون أفعاله ويمنحونه أنواع الألقاب والمزايا فيقابلهم بأنواع الهدايا والعطايا , وقد سكنت فترة زمنية تقارب السنتين وشهرين في أقدس بقعة ، وجاورت مولانا ومقتدانا سيد الشهداء المذبوح عطشان من القفا على شط الفرات مع أسرته وأصحابه (عليه وعليهم السلام جميعا) فوجدت الكثير من سكان هذه البقعة متمردين على الشريعة ومنتهكين للمحرمات ومع ذلك وطيلة هذه الفترة نادرا ما تجد خطيب فيهم أو رجل دين منهم قد أعاب عليهم أي فعل من أفعالهم القبيحة بل على العكس يقولون لهم بأنهم أفضل الناس وان على بقية الناس في المحافظات والمناطق الأخرى أن تتعلم منهم الدين والأخلاق ؟
ولا ادري إن كان هؤلاء الخطباء يعلمون بموبقات القوم ، فكيف يمدحونهم وان كانوا لايعلمون فكيف يحكمون بما لايعلمون ، واني اجل هذا المنبر واخوتي من بيان بعض موبقات أولائك القوم ، وقد مسخوا حتى انهم أصبحوا يعتبرون الضريح المقدس عبارة عن دكان يدر الربح الوفير عليهم وأخذهم العجب بأنفسهم حتى اعتبروها من ارفع طبقات المجتمع(ولد أولاية)وباقي المجتمع عبارة عن (لفوه) (ومعدان )...
وبعد سقوط الهدام مباشرة شكلوا مايسمى بمجلس الأعيان متكون من بعض كبرائهم ، ولكن الله لهم بالمرصاد فخيب مسعاهم لأنهم أرادوا إطفاء نور الله وإذكاء نزعات الجاهلية كما فعلت بنوامية ، بل إنهم من تماديهم وظنهم بان الأمور استوثقت بأيديهم أرادوا تطبيق بعض مااتفقوا عليه ومنه : القيام بترحيل كل من كان أصوله من جنوب العراق وباقي الفرات الأوسط من هذه البقعة المقدسة لأنهم يعتبرونها حكرا لهم ولمن يريدونهم ، ولولا أن من الله علينا بوليه السيد مقتدى الصدر(اعزه الله بعزه) لكانوا فعلوا بنا مافعلته أمية وبني العباس وكيف لا وقد شربوا من ماء الغرب حتى نبتت لحومهم منه ، والحديث طويل وذو شجون ولكن العتب على من اغتر بهم وأعطاهم بيعته .
فأين حق الجورة لجار عظيم مثل سيد الشهداء الذي لاتنفك الملائكة والجن والإنس تتوافد عليه ليلا ونهارا ، وبفضل الله وجهاد مرجعنا ولي الله الصدر المقدس لم يكن خافيا علينا نوايا القوم ولكن لم نكن نتوقع أن ينحدروا إلى هذا التسافل العجيب ويكونون على شاكلة طواغيت قريش المشركين , قال المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)من وصيته لابن مسعود :
(يابن مسعود : علماؤهم وفقهاؤهم خونه فجرة , ألا انهم أشرار خلق الله وكذلك أتباعهم ومن يأتيهم ويأخذ منهم ويحبهم ويجالسهم ويشاورهم أشرار خلق الله يدخلهم نار جهنم
( صم بكم عمي فهم لايرجعون )( ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا)
( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب)( إذا القو فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد تميز من الغيظ)
(كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق ) ( لهم فيها زفير وهم فيها لايسمعون)
يابن مسعود : يدعون انهم على ديني وسنتي ومنهاجي وشرائعي إنهم مني براء وأنا منهم بريء .
يابن مسعود ، لاتجالسوهم في الملاء ولا تبايعوهم في الأسواق ولا تهدوهم إلى الطريق ولا تسقوهم الماء قال الله تعالى
( من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لايبخسون )، قال الله تعالى:
( ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الاخرة من نصيب)
يابن مسعود، مابلوى منهم العداوة والبغضاء والجدال أولائك أذلاء هذه الأمة في دنياهم والذي بعثني بالحق ليخسفن الله بهم ويمسخهم قردة وخنازير .
قال : فبكى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبكينا لبكائه
وقلنا: يارسول الله مايبكيك : فقال (صلى الله عليه وآله):

رحمة للأشقياء . يقول الله تعالى :
(ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت واخذوا من مكان قريب)
يعني العلماء والفقهاء ـ .

2 ـ إن الذي آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وشهد بنبوة ورسالة خاتم النبيين وسيد المرسلين أبو القاسم محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وأقر إيمانا واعتقادا بولاية مولانا علي وأولاده المعصومين (عليهم السلام)
ألا يجب عليه أن يكون زين لأهل البيت ولا يكون شينا عليهم ،أولا ينبغي عليه أن يطبق أوامر الله ويجعل من بيته قبلة يقتدى به
فلماذا البحث عن عورات الناس وترك علاج عورات نفسه ولماذا إذا أقبلت عليه بعض أمتعة الدنيا ينسى نفسه وواقعه ، فما كان يبغضه من فعل غيره لماذا يجيزه لأبنائه , ولماذا يريد حقوقه كاملة من الناس وليس عليه أداء حقوق الناس أليس هذا احد مصاديق المطففين ، ولماذا لا ينهى زوجته وأبنائه من التعالي على الآخرين ، ولماذا المجاملة على حساب الحق ولماذا التغاضي عن قول كلمة الحق ....
فهل هذا وغيره يسعد أئمتنا أم انه يحزنهم ، فهل من الإنصاف أن نحزنهم , أم هل هكذا نشكرهم، ألا نستحي منهم وهم يرون منا كل هذه الاسائات ، وهم لم يتركونا لحظة واحدة بل وحتى اقل من ذلك ، ولو تركونا لأقل من لحظة لاصطلمتنا الأعداء ولأخذتنا اللؤواء ولهلكنا وما لنا من منجى , وهاهو مولانا وسيدنا زين العابدين (عليه السلام) لنسمع كيف يدعوا لجيرانه وأوليائه إذا ذكرهم:
( اللهم صلي على محمد وآله , وتولني في جيراني وموالَي العارفين بحقنا , والمنابذين لأعدائنا بأفضل ولايتك , ووفقهم لإقامة سنتك , والأخذ بمحاسن أدبك , في إرفاق ضعيفهم , وسد خلتهم وعيادة مريضهم , وهداية مسترشدهم , ومناصحة مستشيرهم , وتعهد قادمهم وكتمان أسرارهم , وستر عوراتهم , ونصرة مظلومهم , وحسن مواساتهم بالماعون والعود عليهم بالجدة والإفضال , وإعطاء ما يجب لهم قبل السؤال , واجعلني اللهم أجزي بالإحسان مسيئهم ، وأعرض بالتجاوز عن ظالمهم ، واستعمل حسن الظن في كافتهم ، وأتولى بالبر عامتهم، وأغض بصري عنهم عفة ، وألين جانبي لهم تواضعا، وارق على أهل البلاء منهم رحمة ، واسر بالغيب مودة ، وأحب بقاء النعمة عندهم نصحا ، واجب لهم ما اوجب لحامتي، وأرعى لهم ما أرعى لخاصتي ، اللهم صل على محمد وآله ، وارزقني مثل ذلك منهم ، واجعل لي أوفى الحظوظ في ما عندهم ، وزدهم بصيرة في حقي، ومعرفة بفضلي حتى يسعدوا بي واسعد بهم ، آمين رب العالمين . )
شكرا لله الذي شرفنا وكرمنا بموالاة أوليائه الطاهرين وحججه المعصومين الذين أدبونا بهذه الأخلاق الالهيه ، فها هو جار لمولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول انه جاور أمير المؤمنين عشرين سنة فما سمع لزينب صوتا ولا رأى لها شخصا..
فطوبى لمن اتبع العترة الطاهرة ومات على نهجهم أولائك وليهم الله العلي العظيم يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولائك أصحاب النار هم فيها خالدون .
وفي ختام هذا البحث اسأل المولى القدوس أن لا يجعلنا من الذين يقولون مالا يفعلون ، وان يجعلنا من امة صاحب الخلق العظيم الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق صلوات الله عليه وعلى أهل بيته أجمعين وعجل اللهم فرجهم والعن عدوهم .
أهم المصادر:ـ
1 ـ الصحيفة السجادية لمولانا علي السجاد(عليه السلام)
2 ـ مكارم الأخلاق للشيخ الحسن بن الفضل الطبرسي
3 ـ جامع السعادات للشيخ محمد مهدي النراقي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق