السبت، 28 مارس 2015

امير المؤمنين علي(عليه السلام) والقرآن

امير المؤمنين علي(عليه السلام) والقرآن
بسم الله الرحمن الرحيم
((وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ))(سورة الرعد/ الآية 43)

اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن عدوهم.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
((عليّ مع القرآن والقرآن معه ، لا يفترقان حتى يرِدا عليَّ الحوض))
(صدق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم))
في هذا المبحث يتم التطرق بإذن الله تعالى الى البعض من الاحاديث المتعددة الناطقة بالمعية الأبدية بين مولانا علي المرتضى (عليه السلام ) والقرآن ، وضمن نقطتين وكما يلي :ـ
اولا ـ
اـ الفاظ متن بعض الاحاديث الشريفة الصادرة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)المتعلقة بالمعية الأبدية بين الامام علي (عليه السلام ) والقرآن ومصادرها:
1 – قال رسول اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) :
عليّ مع القرآن والقرآن معه، لا يفترقان حتى يرِدا عليَّ الحوض(المعجم الأوسط: 5/135/4880، المعجم الصغير: 1/255، الصواعق المحرقة: 124؛ الطرائف: 103/152، كشف الغمّة: 1/148 كلّها عن اُمّ سلمة).
2 – قال رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) :
عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لن يفترقا حتى يرِدا عليَّ الحوض(المناقب للخوارزمي: 177/214؛ كشف الغمّة: 1/148 كلاهما عن اُمّ سلمة).
3 – قال رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) :
القرآن مع عليّ، وعليّ مع القرآن(الفردوس: 3/230/4678، ينابيع المودّة: 2/245/687 كلاهما عن اُمّ سلمة؛ بحار الأنوار: 40/77).
4 – في المستدرك على الصحيحين عن أبي ثابت مولى أبي ذرّ: كنت مع عليّ (رضى اللّه عنه) يوم الجمل ، فلمّا رأيت عائشة واقفة دخلني بعض ما يدخل الناس، فكشف اللَّه عنّي ذلك عند صلاة الظهر، فقاتلت مع أمير المؤمنين ، فلمّا فرغ ذهبت إلى المدينة فأتيت اُمّ سلمة، فقلت: إنّي واللَّه ما جئت أسأل طعاماً ولا شراباً ولكنّي مولى لأبي ذرّ، فقالت: مرحباً.
فقصصت عليها قصّتي، فقالت: أين كنت حين طارت القلوب مطائرها ؟ قلت: إلى حيث كشف اللَّه ذلك عنّي عند زوال الشمس، قالت: أحسنت، سمعت رسول اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) يقول:
عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لن يتفرّقا حتى يرِدا عليَّ الحوض
(المستدرك على الصحيحين: 3/134/4628؛ الجمل: 417، الأمالي للطوسي: 460/1028 و ص 506/1108 كلّها نحوه).
5 – في الصواعق المحرقة: إن رسول الله (صلى اللّه عليه وآله وسلم) قال في مرض موته:
أيّها الناس، يوشك أن اُقبض قبضاً سريعاً فيُنطلق بي، وقد قدّمت إليكم القول معذرة إليكم، ألا إنّي مخلّف فيكم كتاب ربّي عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي. ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها فقال:
هذا عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتى يرِدا عليَّ الحوض، فأسألهما ما خلّفت فيهما(الصواعق المحرقة: 126؛ الأمالي للطوسي: 478/1045 عن اُمّ سلمة وزاد فيه «خليفتان بصيران» بعد «مع عليّ».).
6 – قال رسول اللَّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) :
إنّ عليّاً مع القرآن والحقّ، حيثما دارَ دار(كتاب سليم بن قيس: 2/881/52 عن سلمان وأبي ذرّ والمقداد).
7 – قال رسول الله(صلى اللّه عليه وآله وسلم) :
عليّ مع الحقّ والقرآن، والحقّ والقرآن مع عليّ، ولن يتفرّقا حتى يرِدا عليَّ الحوض(ربيع الأبرار: 1/828، فرائد السمطين: 1/177/140 كلاهما عن اُمّ سلمة).
ب ـ الفاظ متن بعض الاحاديث الشريفة الصادرة من امير المؤمنين علي (عليه السلام) المتعلقة بالمعية الأبدية بينه (عليه السلام ) والقرآن ومصادرها:
1- قال الإمام عليّ(عليه السلام) :
إنّ اللَّه تبارك وتعالى طهّرنا وعصمنا، وجعلنا شهداء على خلقه، وحجّته في أرضه، وجعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا، لا نفارقه ولا يفارقنا( الكافي: 1/191/5، كمال الدين: 240/63 وفيه «وحججاً» بدل «وحجّته»، بصائر الدرجات: 83/6 كلّها عن سليم بن قيس الهلالي).
2 – قال الامام علي (عليه السلام) - للخوارج لمّا خرج إلى معسكرهم -: إنّ الكتابَ لمَعي، ما فارقتُه مذ صحبته( نهج البلاغة: الخطبة 122).
ثانيا ـ
بعض صور الدلالات والمعاني المتعلقة بالمعية اعلاه :

اـ قال الشيخ سليمان بن عبد الله الماحوزي البحراني 1075 - 1121 هج , في كتابه (الأربعون حديثا ...ج1ص113 / تحقيق : سيد مهدي الرجائي / مطبعة أمير / ط 1: 1417 ه‍ ق )
...وقوله (عليه السلام) (علي مع القرآن والقرآن معه) نص قاطع وبرهان واضح على عدم جواز الخطأ عليه سلام الله عليه، كما لا يجوز على مصاحبه، أعني: القرآن الكريم والذكر الالهي الحكيم، إذ المعية من الجانبين دائمة، قضية لقوله (عليه السلام) (لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). فلا يرد ما قيل: ان القضية مطلقة عامة، فلا يتم التقريب، على أنه مع قطع النظر عن جملة (لن يفترقا) لا يفهم من قضية المعية عند الاطلاق في المقامات الخطابية بحسب العرف الا الدوام، بل المراد بها هنا هي الضرورة الذاتية أو الأزلية [(وهي الحاصلة أزلا وأبدا، والأزل: دوام الوجود في الماضي. والأبد: دوام الوجود في المستقبل.
والضرورة الذاتية هي الحاصلة مما دامت ذات الموضوع موجودة، و الضرورة الأزلية أخص، لأن الضرورة متى تحققت أزلا وأبدا يتحقق مادام ذات الموضوع موجودة من دون عكس.
ولا يخفى أنه مع تعميم الوجود بحيث يشمل المحقق والمقدر لا يظهر التفاوت بالعموم و الخصوص، وان دعوى الأزلية مما لا يتجه ظاهرا مع حدوث الموضوع الا بنوع من التأويل، بأن يراد القريب إليها حيث تعددت لو أراد الادعاء بدلالة المقامات الخطابيات (منه))]، كما لا يخفى على من له أدنى مسكة، ولو جعلت القضية المذكورة احدى المطلقات لم يختص الحكم المذكور بعلي (عليه السلام)، وهو ظاهر. فان قلت: ما السر في قوله (والقرآن معه) بعد قوله (علي مع القرآن) والمعية من النسب المتكررة، ففي الأول غنى عن الثانية، إذ المعية من الجانبين البتة ؟. قلت:
لعل السر في هذا التكرير المبالغة في تحقق المعية، والاشعار وتبيين الصريح من الرغوة في ذلك بدوامها وتقريرها على وجه الاطلاق وطريق العموم، فوزانه وزان التأكيد اللفظي.
ويخطر بالبال العليل أن السرفيه أن مدلول القضية الاولى مصاحبته (عليه السلام) للقرآن، وهو ليس بنص في المراد من عصمته (عليه السلام)، لاحتمال أن يراد به مداومته لقراءته وتعاهده ونحوهما، فدفع الاحتمال المذكور بالقضية الثانية (وربما خطر بالبال أيضا في وجه التكرار الايذان بأن كل واحد منهما أصل برأسه مستعمل، وأنهما
متلازمان، وكل منهما مصدق للآخر، ولو اقتصر على الجملة لأشعر بأنه بعينه (عليه السلام) للقرآن، وأنه ليس أصلا مستقلا. وهذا الوجه لطيف (منه)).
ووجه اندفاعه بها أمران: أحدهما: أن المصاحب اسم مفعول باعتباره من حيث هو كذلك ينبغي أن يكون هو أكمل المتصاحبين والمؤثر منهما بالقصد، كما يقال: صحبت الأمير، ولا يقال صحبني إلا نادرا بنوع من التوسع. وحينئذ فإسناد المصاحبة بالاعتبار المذكور الى القرآن لا يحسن حمله على مداومته (عليه السلام) لدرسه وقراءته والتهجد به، كما احتمل في الاولى، لأن هذا القدر يستدعي كونه (عليه السلام) مصاحبا له اسم فاعل وانه مصحوب، إذ ماله الى مدلول القضية الاولى ومفاد الجملة السابقة، فكيف صار مصاحبا وقد كان مصحوبا بالاعتبار المذكور ؟ وحينئذ يتعين حمله على أنه ناص على امامته قاطع على خلافته، مصدق لما حكم به، شاهد بعصمته غير مفارق له في حال من الأحوال، وهو بهذا الاعتبار يحسن جعله مصاحبا اسم فاعل، ويحسن جعله (عليه السلام) مصحوبا، وذلك ما أردناه، وفي هذا دقة وخفاء، فتأمله (لابتنائه على مقدمات، وربما تتطرق إليها المنع، ولأن الأكملية في المصاحب اسم مفعول ان تمت فإنما يتم في مادة الصحبة لا فيما تستفاد من كله من ما ضاهاها، ثم الأكملية مجملة ولو لواحد مطلقة لم يتعاكس كما لا يخفى واحدها في الجملة، والتعاكس باختلاف الاعتبارين مما لا دليل عليه، وقد بدت عن ذلك بنوع من العناية (منه).).

الثاني: أن معنى القضية الاولى مداومة مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) لدرس القرآن، والتفكر في معانيه، والعمل بمقتضاه، وتمييز محكمه من متشابهة، ومجمله من مبينه، وناسخه من منسوخه، وغيرها من مقاصده، وان أفعاله (عليه السلام) وأقواله مطابقة لما فيه.
ولو كان هذا معنى الثانية لزم التأكيد، والتأسيس خير منه، لأن الحمل على الافادة أولى من الحمل على الاعادة، فوجب حمل الثانية على تصديق القرآن له، و دلالته على امامته وخلافته ووجوب الاقتداء بأثاره والاقتفاء لمناره ترجيحا للتأسيس على التأكيد، والافادة على الاعادة، والله العالم. (انتهى)
ب ـ افاض علينا سيدنا ومرجعنا السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس) من روائعه في عنوان محل المبحث ما يلي
قال سيدنا الشهيد الصدر الثاني (قدس) في (منهج الاصول ج1ص297)، ما يلي :ـ
...الإشكال السادس: ان الإنسان محدود والكتاب الكريم غير محدود، فلا يمكن ان يحيط به ويستوعب ما فيه.
ويمكن الجواب على ذلك بالاعتراف بان الإنسان المحدود بل كل مخلوق محدود، لا يحيط بالعلم غير المحدود. قال تعالى:
(وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) ، وقال:
(وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء).
إلا ان هذا يواجه إشكالا. وحاصله: انه قد ورد ان المعصومين عليهم السلام يفهمون القرآن باطنه وظاهره، لأنه نزل فيهم واليهم وهم المخاطبون به (وعندهم علم الكتاب وما جاءت به السور) وخاصة منهم أمير المؤمنين عليه السلام. فكيف كان ذلك؟
ويجاب بأحد شكلين:
الشكل الأول: انهم عليهم السلام قابلياتهم غير محدودة، فيفهمون غير المحدود. حتى خص علي (عليه السلام) مع النبي (صلى الله عليه وآله) بمعرفة الله سبحانه كما ورد:
يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت.
مع ان الله سبحانه غير محدود. ومن عرف الله تعالى عرف ما دونه بطريق أولى.
الشكل الثاني: ان نسلم بكونهم محدودين في الجملة، غير ان قابلياتهم عظيمة، بل أعظم من كل الخلق. فنفهم من تلك الأخبار انهم يفهمون اكثر من أي خلق آخر. وهذا يكفي.
إلا ان هذا يواجه إشكالا: وهو انه قد ثبت انهم خير الخلق أجمعين.
والقرآن من الخلق، إذن فهم خير من القرآن.
وحين نقول: القرآن هنا، فإننا نعنيه بكل وجوده الظاهري والباطني، إذن فهم أعلى من كل ذلك، والعالي يحيط بالداني، دون العكس.
إذن فإحاطتهم بالقرآن ممكنة.

وإذا تم هذا، فإنما يدل على عدم كونهم محدودين، إذا ثبت ان معاني القرآن الكريم لا متناهية، من حيث الكليات والأمور النظرية العامة، كما هو اقرب إلى الذوق السديد.
الإشكال السابع: ان ما هو مخزون في القرآن الكريم ظاهرا وباطنا، ليس هو كل ما في علم الله سبحانه. بل ان علم الله أوسع. وبتعبير آخر: ليس باطن القرآن هو علم الله، بل ما دونه.
وما ثبت انه لا متناهي وغير محدود هو علم الله عز وجل، لأنه عين ذاته، وهو لا متناه، إذن علمه لا متناه.
اما ما دونه فهو متناه ومحدود. إذن، فعلم القرآن محدود.

جوابه: انه ناشئ من تخيل ان اللامتناهي ليس فوقه شيء من حيث كونه لا متناهيا. إذ ليس فوق اللانهاية زيادة.
مع ان هذا قابل للمناقشة. ويكفي ان نسمع كلمة الفيلسوف الإلهي الشيخ ملا هادي السبزواري عن الله عز وجل: انه فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى.
إذن، فاللا تناهي ليس هو الحد الأعلى، بل فوقه درجات أيضا.

ويكفي ان نلتفت إلى إننا سبق ان قلنا ان اللامتناهي المرموز إليه بهذه العلامة (&) قابل للعمليات الرياضية الأربعة على ان يكون طرفاها من نفس النوع.
فهذا الذي عبر عنه الشيخ السبزواري هو & +&. ويمكن & ×& و & ÷ & .كما يمكن & أس لا متناهي أي مضروب في نفسه لا متناهي مرة.
وعلى أي حال.
فيمكن ان نفهم الآن ان علم القرآن وان كان لا متناهيا، إلا انه اللا متناهي الأدنى وعلم الله هو اللا متناهي الأعلى. فيثبت ان القرآن دون علم الله سبحانه إلا انه غير محدود.
واندفع بذلك ان ما هو اقل من اللامتناهي يجب ان يكون متناهيا.
(انتهى)
الى هنا ينتهي هذا المبحث ، مستغفرا الباري العطوف(جل في علاه) عن كل قصور وتقصير فيه ، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير الخلق محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق